حوار قبل أيام من المباراة
دخلت سلمى إلى مكتبي قبل ثلاثة أيام من المباراة الشفوية، وعيناها تبحثان عن زاوية في الأرض، وقالت بصوت خافت: أستاذ، أنا سأنسى كل شيء. قلت لها: لن تنسي شيئاً، لكنك ستنسينه إن تعاملت مع المقابلة على أنها استجواب، وهي ليست كذلك إطلاقاً.
شعرت بالحيرة، فشرحت لها ببطء: المباراة الشفوية جلسة تعريف لا امتحان ذاكرة، فاللجنة تريد أن تعرف من أنت، ولماذا اخترت هذا المسار، وكيف تفكر. اللجنة ليست هناك لتراقب أخطاءك، بل لتكتشف ما يميزك عن بقية المرشحين.
سألتني: ماذا يحضرون بالضبط؟. أجبتها: أحياناً سؤال عن مشروعك الدراسي، وأحياناً عن تجربة قدت فيها شيئاً أو موقف صعوبة تجاوزته، ولا توجد وصفة ثابتة، لكن يوجد مفتاح مشترك: أن تحكي بحرية عن نفسك. ضبط معلوماتك عن المسارات يبدأ بزيارة قسم التوجيه المدرسي، ثم يمكنك أن تسأل من خاض المقابلة قبلها، أو تتصفح نماذج امتحانات موقع مدارسي التي تذكر أحياناً أسئلة شفوية من سنوات سابقة.
سألتني أخيراً: وهل يؤثر مظهري على الحكم؟ قلت: أجل، لكن ليس بالمعنى الذي تتخيلين. اللباس النظيف الهادئ يكفي، فاللجنة تحكم على نظافتك وترتيبك لا على ماركات ملابسك، وقد نصحتها أن تلبس ما ترتاح فيه هي، لا ما تلبسه صديقتها.
ماذا تقول داخل القاعة؟
جلسنا بعد يومين نلعب دور اللجنة، وقالت سلمى: سأبدأ بقراءة الأسئلة من ورقة أعددتها. أوقفتها على الفور: هذا بالضبط ما سيقلك. المقابلة حوار، والحوار لا يُقرأ، بل يُعاش، وأول سؤال سيقابلونك به غالباً هو: عرّفنا بنفسك، وهو أسهل سؤال وأهمه في آن واحد.
ماذا أقول فيه؟ سألت. قلت: اسمك وسنك ومسارك الحالي، ثم ثلاث صفات تخصك بدليل ملموس، وإن أمكن اربطها بالتخصص الذي تريده، كأن تقول: أنا أحب الحساب وأساعد زملائي في الرياضيات، ولهذا اخترت مسار التسيير. هكذا تحول الإجابة من بيانات باردة إلى صورة حية عنك.
ثم جاء السؤال الذي كانت تخافه: ماذا أفعل إذا سألوني عن شيء لا أعرفه؟ ضحكت وقالت: سأخترع إجابة ذكية. قلت لها: كلا، قل ببساطة: لا أعرف هذا بعد، لكنني أحب أن أتعلمه، فالصدق أمام اللجنة أفضل من الافتعال. اللجنة تسمع مئات الإجابات الجاهزة يومياً، وتميز بسرعة من يتحدث عن نفسه فعلاً.
أضفت نصيحة عن لغة الجسد: ارفع رأسك، واجلس بظهر مستقيم، ووجّه نظرك إلى من يخاطبك، ولا تخف من لحظة صمت قصيرة قبل الإجابة، فثانيتان من التفكير المنظم أفضل من جملة متسرعة. وابتسم، فالابتسامة ليست تزييناً، بل رسالة ثقة يقرؤها المقيّمون في أول ثانية، وهي أسرع طريقة لكسر الجليد مع لجنة قد تبدو صارمة عند مدخل القاعة.
وعندما سألتني عن السؤال الأصعب، وهو كيف تتحدثين عن نفسك دون أن تبدو متباهية، قلت لها: استعملي أفعالاً وقصصاً قصيرة بدل الصفات المجردة. بدل أن تقولي أنا مجتهدة، قولي أنهيت السنة الماضية بمعدل جيد وكنت أساعد زملائي في مجموعات العمل، فالصورة تعلق في ذهن اللجنة أكثر من الصفة.
بعد الخروج: ماذا تفعل؟
خرجت سلمى من القاعة الحقيقية بعد أسبوع وهي تبتسم، رغم أنها ارتكبت خطأً وقعت فيه خلال التدريب. قالت لي: أدركت أن القاعة ليست مخيفة، وأن اللجنة بشر مثلنا، وقد سألوني عن هواية القراءة فقلت الحقيقة. سألتها: ماذا ستفعلين لو أعيدت المقابلة؟ فكرت ثم قالت: سأدرب نفسي أكثر على الحوار بصوت عالٍ، لأن التدريب الصامت لا يكفي.
هذه الجملة الأخيرة وحدها تحمل درس المباراة الشفوية كله: كل مقابلة تالية أسهل من سابقتها، حتى لو لم تنجح الأولى. ولو تأخرت هذه المرة، فتابع الفرص الجديدة التي تعلن في مؤسستك وفي أخبار موقع مدارسي، فالمباريات الشفوية باب يتكرر ولا يغلق، والتعثر مرة لا يلغي بقية الطريق.
وأضافت سلمى درساً لن أنساه: لو أنني راجعت معلومات المسار الذي سألوني عنه قبل المقابلة لكنت أجبت بثقة أكبر. فالتحضير للمقابلة لا يستغرق سوى ساعات قليلة موزعة على أيام، ومعلومة واحدة سليمة قد تكون الفرق بين جملة مهتزة وجملة واثقة.
